الشيخ محمد علي طه الدرة

244

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

أحدها : الزيادة ، فتكون لمجرد تقوية الكلام ، فتكون حرفا باتفاق . و ( قليلا ) في معنى النفي ، وأمّا التقليل مثلها في : ( أكلت أكلا ما ) وعلى هذا فيكون تقليلا بعد تقليل . الوجه الثاني : النفي ، و ( قليلا ) نعت لمصدر محذوف ، أو الظرف محذوف ، أي : إيمانا قليلا ، أو زمانا قليلا . الوجه الثالث : أن تكون مصدرية ، وهي وصلتها فاعل ب ( قليل ) ، و ( قليلا ) حال معمول لمحذوف دل عليه المعنى ؛ أي : لعنهم اللّه ، فأخروا « قليلا إيمانهم » أجازه ابن الحاجب ، ورجّح معناه على غيره . انتهى بتصرف كبير ، ولم يذكر إعراب ( قليلا ) على الوجه الأول . وذكر الجمل الوجه الأوّل ، واعتبر ( قليلا ) نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني . وذكر أبو البقاء الثاني ، وقال : التقدير : لا يؤمنون قليلا ، ولا كثيرا . وجملة : ( قليلا ما يُؤْمِنُونَ ) تعليلية لا محل لها من الإعراب . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) الشرح : وَلَمَّا جاءَهُمْ أي : اليهود . كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : هو القرآن ؛ الذي أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ : يعني : التوراة . وَكانُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الكتاب ، ومن قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يَسْتَفْتِحُونَ : يستنصرون . عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي : المشركين العرب ، وهم الأوس ، والخزرج . فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا أي : من الحقّ ، وهو بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونزول القرآن عليه كَفَرُوا بِهِ : أي : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم حسدا ، وبغيا ، وخوفا على الرياسة وحبّ الدنيا . فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ : المراد : على اليهود ، وقد أظهر في موضع الإضمار ؛ لينبّه على السبب المقتضي لذلك ، وهو الكفر ، وأتى ب عَلَى تنبيها على أن اللّعنة قد استعلت عليهم ، وشملتهم . وفي الآية إطلاق كلمة الكفر على المشركين العرب ، وعلى اليهود . تنبيه : كان اليهود في المدينة المنورة قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبهم أمر ، أو دهمهم عدو ؛ يقولون : اللهم فرّج كربنا ! اللهم انصرنا بالنبيّ المبعوث في آخر الزّمان ، الذي نجد صفته في التوراة ! فكانوا ينصرون ، ويفرّج كربهم ، ويزول ما بهم من الغمّ ، والبؤس ، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين : قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا ، فنقتلكم معه قتل عاد ، وإرم . هذا ؛ والاستفتاح : الاستنصار ، وفي الحديث كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي : يستنصر بدعائهم ، وصلاتهم ، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [ 52 ] من سورة ( المائدة ) : فَعَسَى اللَّهُ